سيد محمد طنطاوي

16

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل ، أن الولد يرث أباه ، فلو لا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها ، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة » « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : ومعنى * ( يَرِثُنِي ) * أي : إرث علم ونبوة ، ودعوة إلى اللَّه والقيام بدينه ، لا إرث مال ، ويدل لذلك أمران : أحدهما قوله : * ( ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) * ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان ، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين . والأمر الثاني ما جاء من الأدلة أن الأنبياء - صلوات اللَّه وسلامه عليهم - لا يورث عنهم المال ، وإنما يورث عنهم العلم والدين ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي بكر الصديق أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا نورث ما تركنا صدقة » « 2 » . ثم بين القرآن الكريم أن اللَّه - تعالى - قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده زكريا . كما بين ما قاله زكريا عندما بشره ربه بغلام اسمه يحيى فقال - تعالى - : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 7 إلى 11 ] يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُه يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَه مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِه مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ( 11 )

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 111 . ( 2 ) راجع تفسير أضواء البيان ج 4 ص 206 للشيخ الشنقيطي - رحمه اللَّه -